ابن عربي

428

الفتوحات المكية

علم المتشهد بمن يريد شهوده فلا يحضر معه من الحق إلا قدر ما يعلمه منه وما خوطب بأكثر من ذلك واختلفت مقالات الناس في الإله وإذا اختلفت المقالات فلا بد للعاقل إذا انفرد في علمه بربه أن يكون على مقالة من هذه المقالات التي أنتجها النظر وهي مختلفة فالسليم العقل من يترك ما أعطاه نظره في الله ونظر غيره من أصحاب المقالات بالنظر الفكري ويرجع إلى ما قالته الأنبياء عليهم السلام وما نطق به القرآن فيعتقده ويحضر معه في صلاته وفي حركاته وسكناته فهو أولى به من أن يحضر مع الله تعالى بفكره وقد يطرأ لبعض الناس في هذا غلط وذلك أنه يرى أن الإنسان ما يثبت عنده الشرع إلا حتى يثبت عنده بالعقل وجود الإله وتوحيده وإمكان بعثة الرسل وتشريع الشرائع فيرجح بهذا أن يحضر مع الحق في صلاته بهذا العلم وليس الأمر كذلك فإنه وإن كان نظره هو الصحيح في إثبات وجود الحق وتوحيده وإمكان التشريع وتصديق الشارع بالدلالات التي أتى بها فيعلم إن الشارع قد وصف لنا نفسه بأمور لو وقفنا مع العقل دونه ما قبلناها ثم إنا رأينا أن تلك الأوصاف التي جاءت من الشارع في حق الله ومعرفته تطلبها أفعال العبادات وهي أقرب مناسبة إليها من المعرفة التي تعطيها الأدلة النظرية التي تستقل بها فرأينا أن نحضر مع الحق في تشهدنا وصلاتنا بالمعرفة الإلهية التي استفدناها من الشارع في القرآن والسنة المتواترة أولى من الحضور معه بمقالات العقول ثم ننظر فيما ورد من التشهد في الصلاة حتى نجري على ذلك الأسلوب كما فعلنا في التوجيه والقراءة وما يقال في الركوع والسجود انتهى الجزء الثامن والثلاثون ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فنقول من ذلك ( تشهد عمر رضي الله عنه ) وهو التحيات لله الزاكيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أخذت به طائفة ( وأما تشهد عبد الله بن مسعود ) وهو التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخذ به الأكثر من الناس لثبوت نقله ( وأما تشهد ابن عباس ) وهو التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أخذت به طائفة وكلها أحاديث مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعارف إذا تشهد بهذا التشهد فإما أن يكون في حال قبض وهيبة وجلال عن اسم إلهي وإما أن يكون في حال أنس وجمال وبسط عن اسم إلهي وإما أن يكون في حال مراقبة وحضور لموازنة ذاته بما كلفته من العبادات في الصلاة فيعمر كل قوة من قوى نفسه في صلاته وكل جارحة من جوارح جسمه في صلاته بما يليق بها مما طلبه الحق منه من إلهيات أن يكون عليها في صلاته بالنظر إلى كل جارحة وقوة فيعمرها سواء كان في حال هيبة أو أنس وهو أكمل الأحوال فانحصر الأمر في ثلاثة مقامات مقام جلال ومقام جمال ومقام كمال فيتشهد بلسان الكمال وهو الأول للسالك فيقول التحيات لله أي تحيات كل محى ومحى بها في جميع العالم والنسب الإلهية كلها لله أي من أجل الله الاسم الجامع الذي يجمع حقائقها وذلك لأن كل تحية في العالم إنما هي مرتبطة بحقيقة إلهية كانت ما كانت فمتى ما لم يجمع الإنسان بنيته وقلبه كما جمع بلفظة التحيات بقوته من الحقائق الإلهية كلها إلا الحقيقة الواحدة المشروعة له في تحيته من حيث ما هو مقيد بها من جهة شرعه خاصة لم يستبر لنفسه في كمال صلاته وقوله الزاكيات لله يقول التحيات المطهرات الناميات أي التي ينمي خيرها على قائلها من الحقائق الإلهية التي أوجدت تلك التحيات بحسب ما تعطيه أسماؤها ثم يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته بالألف واللام التي للجنس لا التي للعهد فيكون سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم مثل تحياته للشمول والعموم أي بكل سلام وهذا يؤذن بأن العبد قد انتقل من مشاهدة ربه من حيث الإطلاق أو أمر ما من الأمور التي كان فيها في سجوده إلى مشاهدة الحق في النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدم عليه بالحضور سلم عليه مخاطبا مواجهة بالنبوة لم يسلم